الغزالي

172

إحياء علوم الدين

وجاءت ريح عاصفة في البحر ، فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله ، وكان معهم فيها ، أما ترى هذه الشدة ؟ فقال ما هذه الشدة ، انما الشدة الحاجة إلى الناس . وقال أيوب قال لي أبو قلابة الزم السوق ، فان الغنى من العافية . يعنى الغنى عن الناس . وقيل لأحمد ، ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي ؟ فقد أحمد ، هذا رجل جهل العلم ، أما سمع قول النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله جعل رزقي تحت ظلّ رمحي » وقوله عليه السلام حين ذكر الطير فقال [ 2 ] « تغدو خماصا وتروح بطانا » فذكر أنها تغدو في طلب الرزق وكان أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ، ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم . وقال أبو قلابة لرجل ، لأن أراك تطلب معاشك أحب إلى من أن أراك في زاوية المسجد . وروى أن الأوزاعي لقى إبراهيم بن أدهم رحمهم الله ، وعلى عنقه حزمة حطب ، فقال له يا أبا إسحاق ، إلى متى هذا ؟ إخوانك يكفونك . فقال دعني عن هذا يا أبا عمرو ، فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة . وقال أبو سليمان الدار انى ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوت لك ، ولكن ابدأ برغيفيك فاحرزهما ثم تعبد . وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه ، ينادى مناد يوم القيامة أين بغضاء الله في أرضه ؟ فيقوم سؤال المساجد فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية الاغيار ، ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك الا الكسب والتجارة فان قلت : فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « ما أوحى إلىّ أن اجمع المال وكن من التّاجرين ولكن أوحى إلىّ أن سبّح بحمد ربّك وكن من السّاجدين ، واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين » وقيل لسلمان الفارسي أوصنا ، فقال من استطاع منكم أن يموت حاجا ، أو غازيا . أو عامر المسجد ربه ، فليفعل . ولا يموتن تاجرا ولا خائنا